الثعالبي

438

جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )

اتقوا الله إن كنتم مؤمنين ( 112 ) قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين ( 113 ) ) وقوله سبحانه : ( إذ قال الحواريون . . . ) الآية : اعتراض أثناء وصف حال قول الله لعيسى يوم القيامة ، مضمن الاعتراض إخبار نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وأمته بنازلة الحواريين في المائدة ، إذ هي مثال نافع لكل أمة مع نبيها تقتدي بمحاسنه ، وتزدجر مع عما ينفر منه من طلب الآيات ونحوه ، وقرأ الجمهور : " هل يستطيع ربك " - بالياء ورفع الباء - من " ربك " ، والمعنى : هل يفعل ربك هذا ، وهل تقع منه إجابة إليه ، ولم يكن منهم هذا شكا في قدرة الله سبحانه ، إذ هم أعرف بالله من أن يشكوا في قدرته ، وقرأ الكسائي : " هل تستطيع ربك " - بالتاء ونصب الباء من " ربك " - ، والمعنى : هل تستطيع سؤال ربك ، وأدغم اللام في التاء ، أعني الكسائي ، وقال قوم : قال الحواريون هذه المقالة في صدر الأمر قبل علمهم بأنه يبرئ الأكمه والأبرص ، ويحيي الموتى ، ويظهر من قوله - عليه السلام - ( اتقوا الله إن كنتم مؤمنين ) : إنكار لقولهم ، واقتراحهم الآيات ، والتعرض لسخط الله بها ، وقلة طمأنينتهم إلى ما قد ظهر ، ولما خاطبهم - عليه السلام - بهذه المخاطبة ، صرحوا بمقاصدهم التي حملتهم على طلب المائدة ، فقالوا : ( نريد أن نأكل منها ) ، فنشرف في العالم ، ( وتطمئن قلوبنا ) ، أي : تسكن فكرنا في أمرك بالمعاينة لأمر نازل من السماء بأعيننا ، ( ونعلم ) علم الضرورة والمشاهدة ، ( أن قد صدقتنا ) ، فلا تعرضنا الشبه التي تعرض في علم الاستدلال ، وهذا يؤيد أن مقالتهم كانت في مبدأ أمرهم ، ثم استمروا على إيمانهم ، وصبروا ، وهلك من كفر ، وقولهم : ( ونكون عليها من الشاهدين ) ، أي : من الشاهدين بهذه النازلة ، الناقلين لها إلى غيرنا الداعين إلى هذا الشرع ، / بسببها ، وروي أن الذي نحا بهم هذا المنحى من الاقتراح هو أن عيسى قال لهم مرة : " هل لكم في صيام ثلاثين يوما لله سبحانه ، ثم إن سألتموه حاجة ، قضاها " ، فلما صاموها ، قالوا : يا معلم الخير ، إن حق من عمل عملا أن يطعم ، فهل يستطيع ربك ، فأرادوا أن تكون المائدة عيد ذلك الصوم .